الاثنين، 16 أبريل، 2012

كتاب في يدي/ الإسلام .. أوربا.. الغرب

كتاب في يدي...

الإسلام .. أوربا.. الغرب

رهانات المعنى وإرادات الهيمنة

محمد اراكون


من الكتاب....
 
" العقل الغربي اصبح مهيمنا على العالم بسبب نجاحاته التكنولوجية والاقتصادية السياسية الصارخة. لقد وصل من القوة والعنجهية الى حد انه نافس الدين، بل وانتزع منه تلك الذروة العليا التي تعلو ولا يعلى عليها: اقصد ذروة الهيبة والمشروعية. ومن المعلوم انها كانت من اختصاص الدين لفترة طويلة من الزمن. اصبح العقل العلمي هو الذي يحدد المشروعية وليس الدين. وعندئذ انتقلت البشرية الاوربية من الفضاء العقلي القروسطي الى الفضاء العقلي الحديث. واصبح علماء الطب والبيولوجيا والقانون هم الذين يحددون السلوك الاخلاقي المستقيم وليس رجال الدين. وحشر العقل الغربي الدين في منطقة ضيقة وحدد له وظائف ثانوية بعد ان كان يتحكم بحياة البشرية الاوربية في كل كل شاردة وواردة طيلة قرون وقرون . وهنا يكمن لبّ الصراع الذي دار بين العقل المسيحي وعقل التنوير منذ القرن الثامن عشر. فالرهان الاكبر كان: السيطرة على ذروة المشروعية العليا التي تعلو ولا يعلى عليها. .... وهكذا حرمت الدولة الحديثة الدين من كل الوظائف الاساسية التي كان يمارسها طيلة العصور السابقة. لقد انتزعت منه حتى الامل الاخروي الذي كان يعزى به البشر بسبب آلامهم وحرمانهم في هذه الحياة الدنيا. فعندما وفرت لهم الدولة كل ما يريدون على هذه الارض لم يعودوا بحاجة الى هذا العزاء. كما وانتزعت الدولة الاوربية الحديثة من الدين ذروة القيم الاخلاقية التي تؤمن المحافظة على التماسك الاجتماعي للشعب، وترسخ التضامنات الحيوية اللازمة لحياة المجتمع، وتكفل المعاملات والصفقات المعقودة بين البشر، وتؤمن المشروعية...الخ، كل هذه الاشياء انتزعت من ايدي الدين وسلمت الى ايدي الدولة وعنايتها. وبالتالي فلم يعد للدين من وجود يذكر في الحياة العامة للمجتمع. واما انظمة العالم الثالث القائمة على الحزب الواحد فقد فشلت في توفير هذه الاشياء لمواطنيها بعد انهيار قانون العرف والتضامنات التقليدية. ولهذا السبب بالذات فان الحركات الاسلاموية الاصولية قد شهدت نجاحا سريعا ومنقطع النظير. واستطاعت ان تحتل الساحة الخالية بكل سهولة ويسر. وهكذا استعاد الدين وظائفه بصفته ملجأ للبشر المسحوقين وملاذا للمستضعفين. واصبح هو المرجعية الاساسية التي يعتصم بها الناس في اوقات الشدة والضيق وهو الوسيلة للتوصل الى بعض الطمانينة في عالم ساحق ماحق لا يرحم. فالدولة تختلت عن المواطن، والمواطن لم يعد يعرف اين يذهب ، فالقى بنفسه في احضان الحركات الاصولية.... ان هذه الانظمة ولد عددا كبيرا من الخاسرين والهامشيين والخائبين والمتمردين والمنبوذين والعاطلين عن العمل. وبالتالي فان الحركات التي تستخدم وعود العدالة والاخوة والحماية الاجتماعية والكرامة وتجييشها من جديد."